حكاياتٌ تَمشي على قدمين...🖤
السّاعة قاربت الخامسة عصراً في ليلةٍ من ليالي ديسمبر الباردة..والشوارع تَجري من تحت هذه الأقدام الثّقيلة جيئةً وذهاباً ...
ابتسامةٌ دافئةٌ في نهاية الشّارع..وعقدة حاجبين تَشي بكثير من الجدية عند باب الحديقة...
امرأة في الثلاثين من عمرها عاديّةَ الملامح ممشوقة القوام وفي مشيتها شيء من الدلال...تحمل بيدها حقيبة جلدية سوداء بداخلها حكايات كثيرة أغلبها لاتُروى..
وهناك أمام المقهى...رجلٌ ستينيٌّ بهيُّ الطلّة يرتدي سترة صوفيّة يمشي بخطى مملّة وينظر من خلف نظّارتيه إلى النّهاية التي لطالما حَلم بها...
وصبيانٌ صغار عند التقاطع...يرتدون من الملابس أخفّها وزناً وأقلها سعراً..يظهرون كالجنّ أمام السيارات المسرعة يطلبون منهم شراء الورد ويعرضون عليهم مسح أمطار الليلة السابقة عن الزجاج الأمامي ...لايلقيان بالاً للشتائم...ف جلّ همهم لقمة آخر النهار...
يساراً... تعبر الشارع الضيق فتاةٌ عشرينية رائعة الجمال بشحوب وجهها اللطيف وتقاسيمها الحادة الانتظام...وضعت على رأسها قبّعة حمراء صغيرة ولطيفة تميل بزاوية حادّة...أشعر بالحزن عليها...فهي قطعاً تجهل أن الحياة ليست حمراء زاهية بلون قبعتها ولا تحمل لطافتها حتى..
على الجانب الآخر سيدة في منتصف العمر ترتدي سترة عسلية واسعة وبنطال شارلستون من الجينز الأسود...تنظر الى ساعتها بفقدان صبرٍ ظاهر...اذ يبدو أنها لاتملك أن تتأخر...كأنما تخاف أن يفوتها قطار العمر...لتجد فجأة أن تَذكرتها لم تعد تصلح لشيء..
عند الباب الخارجي للمبنى السكني..تظهر امرأة طويلة الإشراق بادٍ على محيّاها...وتفترّ شفتاها عن ابتسامة دافئة .. تتعلق بيدها اليمنى أصابع صغيرة وردية اللون وغضَّة...
مسكينةٌ هي تلك المرأة...
تظن أنها إذا بقيت ممسكة بيد صغيرتها تستطيع أن تحميها من أنياب الدهر وتقلباته كما تحميها من عجلات العربات المسرعة..
عند الموقف...شابّ طويل رياضي القوام أنيق الملبس
نظراته تشع أطفال صِغار يركضون وحيويته تكفي عمرين أو أكثر...
أُصاب بالأسى عليه هو الآخر...
جميعهم مصابون بالحمّى....
جميعهم حكايات مخبأة في صندوقٍ خشبي مُوصَد.