شبكة الحكمة للأخبار الثقافية شبكة الحكمة للأخبار الثقافية
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

الشاعرة ميرفت أبو حمزة

_______________________________  ميرفت أبو حمزة 

                                  لستُ هنا
                             ____________

المرأةُ التي تجلسُ الآنَ مكاني
المرأةُ الهادئةُ كجثةٍ تحركُها ريحٌ باردةٌ بينَ حربين 
تلكَ التي تتوارى روحُها خلفَ ورمٍ قديمِ النزفِ 
تُقرِئُ الجدرانَ ملامحَها الجامدةَ
بصمتٍ مُدَوٍّ تنامُ ، و
لا تنامُ .

المرأةُ التي تتمسرحُ الآنَ ، و
في عينيها تفاصيلُ كثيرةٌ  مشوَّهةٌ ، مشوَّشةٌ
تجهشُ بالبكاءِ بصمتٍ مريبٍ كلَّما علِقتْ يمامةٌ بالسياجِ 
وكلَّما لمعَ خنجرٌ تحتَ الشمسِ ، وكلَّما 
دوَّتْ سماءٌ بصراخِ سَكْبِها
و
كلَّما 
برقَ ثغرٌ بوشايةِ قُبْلةٍ سافرةٍ
وكلَّما تمزَّقَ شراعٌ أبيضُ بينَ كفوفِ عاصفةٍ
وكلَّما سرّحتْ طفلةٌ أحلامَ شَعرِها 
بينَ أصابعِ الغولِ ، دونَ 
أن تعلم .

المرأةُ 
التي تجلسُ الآنَ مكاني 
تبكي ولا تبكي ، تقولُ ولا تقول ، لكنها تئنُّ 
تئنُّ ليلاً نهاراً ، ويستفزُّني ثباتُها ، فأحاولُ تحريكَها 
لكنني كمْنَ يحاولُ إمساكَ الريحِ
أو كمَنْ يحاولُ تطويقَ نارٍ
فوقَ كومةِ قشٍّ .
 
أضعُ قربَها كوبَ ماءٍ 
أُقرِّبُهُ قليلاً ، أتلصّصُ عليها من بعيدٍ 
هل تشربُ ؟ 
لا تشربُ !

أفتحُ عليها بابَ التأويلِ
فتنفرطُ كريشٍ لطائرٍ ماتَ منذُ زمنٍ في غرفةٍ مغلقةٍ 
فأصبِحُها بكلِّ موتِها
بكلِّ برودتِها !

ثمَّةَ هلعٌ من نوعٍ مختلفٍ ، ثمَّة بكاءٌ 
لا يمِتُّ للدمعِ بِصِلةٍ ، ولا تربطُهُ معَ المُقَلِ أيّ قرابةٍ !
يتغلغلُ في الأحشاءِ كما أفعىً نهمةٌ  
كما تتغلغلُ الحممُ في البراكينِ 
أو 
كما عَتادٌ داخليٌ 
يعملُ من تلقاءِ نفسهِ ، ويكفي 
لغزوِ قارةٍ كاملةٍ

أنظُرُ إلى نفسي ، فأراني 
كبطنٍ مبقورٍ يجرجرُ أمعاءَهُ فوقَ السطوحِ الحادةِ
فأنزفُ صمتي بالكتابةِ .

المرأةُ التي تجلسُ الآنَ مكاني
المرأَةُ التي لا أَعرفُها ولا تعرفني ، أتسرّبُ الآنَ من أنفاسِها ببطءٍ رهيبٍ كما يتسربُ الحُبُّ من قلبٍ مغدورٍ ، كما يتسرَّبُ الهمُّ من شقوقِ الوحدةِ ، كما تتسرَّبُ قطرةُ ماءٍ من كفٍّ ظامئٍ ، وكما تتسرَّبُ روحُ عصفورٍ في قفصٍ ، قبل أن 
يفتحوهُ أشعلوا حولَهُ النارَ
ومنحوهُ حرّيةَ الموت 
المرأةُ 
التي تجلسُ الآنَ مكاني
المرأةُ التي ماتتْ دونَ أن تموت
وبكتْ دونَ أن تبكي ، وقالتْ دونَ أن تقول
تحتلُّ هشاشتي ، ولونَ جلدي
تأخذُ شكلي ، وزني ، و
قامتي ، لكنَّها 
أبداً 
ليستْ أنا
أهُزُّني فيها ، وأصرخُ : لستُ هنا .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

شبكة الحكمة للأخبار الثقافية

2016