شبكة الحكمة للأخبار الثقافية شبكة الحكمة للأخبار الثقافية
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

الأديبة سراب غانم

إبرةُ تخدير

نظرتُ أمامي نظرة سريعة، وقبل أن أستدير مسحتُ بباطن كفي الأيمن دائرةَ الضباب المتراكم قبالتي _تحديداً على بعد خطوتين من جسدي_ 
اقتربْتُ وأمعَنْتُ النظر، فتحتُ عينيّ جيداً فبدأت حدقتاي تتحركان بشكل لولبي، يميناً للأعلى يساراً للأسفل كأنهما تبحثان عن شيء ما. 
مسحتُ مرة أخرى بباطن كفي الضباب، تأملْتُ انعكاس وجهي الذي ما إن يلبثَ بالظهور بشكل واضح حتى يبدأ البخار الساخن الكثيف بالتصاعد مرة أخرى فيخفي ملامحه.
عشرات المرات، بخفة عالية أمسح بكفي المرآة، وجه يظهر، شيء مريب أراه، ثم بخار .
أعادَتْ لي هذه اللحظة ذاكرةَ الضباب على الزجاج البارد في ليالي الشتاء القارس، وتلك الرسائلَ السرية المكتوبة عليه..
رسم قلب، سهم، اسم، نبض، حلم، قبلة وكلماتٌ أخرى مشفرة .
بطرف سبابتي بدأت أرسم على اللوحة الضبابية التي أمامي خطوطاً طولانية رفيعة من أعلى اليمين باتجاه الأسفل ببطء شديد، فارتسم المشهد كالتالي:
خِصلة شعر مبللة، قطرة ماء تسقط منها نحو الجبين، تلاحقها سبابتي لتصل إلى الجفن، تداعب بحنوِّ ودغدغة لذيذة خدي الأيمن، أرفع رأسي قليلاَ، أُسبِل جفنيّ وأنا أراقب زحفها المْتعب نحو العنق وكأنها تخدرت من عطر جلدي المبلول، 
ثم شقَّت طريقها نحو نهدي الأيمن..
صوت تمتمات غريبة من بعيد وأنفاس تتقطّع، ارتجافات باردة، وتنهيدات تشبه الصراخ. 
استقرت القطرة على حافة حَلَمتي المرتعشة، فتبخَّرت من حرارة نشوتها، ثم اختفت .
قطرةٌ أخرى تنسل من وسط جبيني، تلاحق خطواتِها السبابة، تنزلق نحو أنفي، وكمن يهوي من قمَّة جبل شاهق تقع في غيبوبة الشفتين، من بين انفراجتهما الخفيفة تسقط، 
و بارتعاشة خفيفة أراقب هبوطها السريع بين نهرين لتجد في نهاية الطريق مخبأ لها داخل حفرة صغيرة معتمة معلنة موتَها الجميل .
نصفي الآن واضح تماماً وبالكثير من الدقة والتفاصيل، 
أنوثة مثيرة، قطرات ماء، حلمة وردية، طفل جائع، وأنفاس تتقطع . 
وضعتُ سبابتي الآن في أعلى الجهة اليسرى من المرآة، وقبل تمريرِها نحو الأسفل شعرتُ بقطرات واخزة تسقط من عيني اليسرى دفعة واحدة. مسحتُ بباطن كفي الضباب، فرأيت القطراتِ تتجمع لتتحول إلى كرة زجاجية مدببة تمزق بألم حاد وجهي والعنق.
مسحتُ بخوف الضباب ثانية فرأيت أصابعي قد تحولت إلى مخالبَ لها نهايات حادة كالمشرط تماماً، تشقّ الضباب أمامها بجروح عميقة جداً و بلون يشبه الدم.
ألم يشتدّ، صراخ، ضجيج مرايا تتكسر، والصوت، ذلك الصوت البعيد وهو يتوسل .
فكرَتُ للحظة أن أفتحَ باب الحمام وأخرجَ بسرعة، إلّا أني لم أستطع الحركة، الضباب كثيف يحيط بي من كل الجهات، بدأتُ أشعر بخفة شديدة في جسدي لدرجة أن قدميَّ بدأتا بالارتفاع عن الأرض، حاولتُ التشبث بمشجب معلق بجانب المرآة لكن جسدي كان يخفّ ويرتفع أكثر، الأصوات بدأت تتلاشى من حولي والمخالب تختفي شيئاً فشيئاً.
غطاء أببض يسقط على المرآة فتتلاشى هي أيضاً، جسدي يعلو عن الأرض ويتكور تدريجياً إلى أن يتحول إلى كتلة لحم طرية بحجم قبضة اليد، وكلما ارتفعتُ أكثر كان وزني يخفُّ بسرعة أكبر حتى أخذ جسدي شكل غيمة وقطرات ماء باردة تتساقط منه . 
صوت قريب يهمس في أذني :  -ستكونين بخير .
أفتح عينيّ بصعوبة بالغة، كل شيء حولي يدور، وجوه كثيرة أمامي تتأمل ضجيج الأسرّة المزدحمة، 
و أنا وحدي، أرفع يدي الثقيلة باتجاه نهدي الأيسر، أتحسس بقبضة يدي حجم ذلك الفراغ .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

شبكة الحكمة للأخبار الثقافية

2016